09/05/2020
منذ تأسيس دولة الإمارات وهي تركز على المستقبل والاستثمار في بنائه، إذ آمنت قيادتنا الحكيمة بأن التقدم والتطور يبدأ من استشراف المستقبل والاستعداد له كما قال الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأننا «نبني المستقبل على أساس علمي»، ونتجهز لكل التحديات ونستعد لها ولا ننتظر حدوثها لنتعامل معها.
وفيما يواجه العالم تحدي انتشار فيروس «كوفيد 19»، يُثِبتُ هذا النهج الإماراتي من خلال الحكمة وحسن التدبير والتخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل نجاحه في التعامل مع التحديات، وذلك من خلال الجهود الوطنية المشتركة والمتميزة التي أبدتها الوزارات والهيئات والجهات المعنية بكل كفاءة وفعالية ومرونة في التعامل مع هذا التحدي من خلال استراتيجية متكاملة لضمان صحة وسلامة المجتمع المحلي من مواطنين ومقيمين، تشمل الاحتواء والحد من الانتشار والتخطيط للمستقبل.

ولقد أثمر استثمار الإمارات في مستوى وعي المجتمع عبر المؤسسات الإعلامية، التي عملت جنباً إلى جنب مع الجهات المختصة لضمان إيصال المعلومات للجمهور بسرعة ودقة واحترافية ومهنية، عن حالة متقدمة من الانضباط والإدراك الشديد لأهمية الإرشادات ومكافحة الشائعات، وذلك بدافعٍ شخصي من كل فرد في مجتمع الإمارات. إذ شكلت الاستراتيجية الإعلامية الرصينة القائمة على مخاطبة الجمهور بكافة شرائحه وبمختلف لغاته إلى خلق ثقافة عامة مساندة للجهود التي تقوم بها الحكومة. وكان هذا النجاح نتيجة طبيعية لنهج الإمارات بإشراك المجتمع في تحمل المسؤولية بمصداقية وشفافية.

وبالتزامن مع جهود الاحتواء والاستجابة السريعة للتعامل مع الموقف فقد تجلت المكانة الرائدة لدولة الإمارات في ظل القيادة الحكيمة والتوجيهات السديدة من قبل سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، وسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإخوانهم أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات.

هذا الفكر الاستباقي الذي ميز دولة الإمارات خلال التعامل مع تحدي كورونا، لم يكن وليد الصدفة بل هو نتاجٌ لجهودٍ طويلة على مدى السنوات الماضية نجحت في إرساء بنية تحتية متطورة قادرة على التعامل مع مختلف الظروف. وهذا الأمر لم يقتصر على الجانب الصحي لاحتواء الفيروس ومنع انتشاره، بل امتد إلى كافة القطاعات بما فيها الاقتصاد والصحة والمجتمع والتعليم وغيرها، فكانت التكنولوجيا جاهزة لاستخدامها على نطاق واسع بكل سلاسة لتضمن استمرارية الأعمال عن بُعد في القطاعات كافة، ومع أن التحدي ليس بالبسيط إلا أن الإمارات أثبتت صلابة مواقفها الإنسانية، إذ تجلت المكانة القيادية الرائدة في الدبلوماسية الإنسانية لدولة الإمارات من خلال رؤية سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث بادر إلى الاتصال بقادة البلدان الشقيقة والصديقة ليبرهن على أن نهج التواصل والتعاون هو الأنجح في التصدي للتحديات، ولتمتد يد الخير لمساعدة هذه الدول ولترسخ الإمارات مكانتها ونظرتها الإنسانية الشاملة.

إن التفكير الاستباقي واستشراف المستقبل والبحث عن الفرص الكامنة في أي تحدٍ، يتجلى اليوم مبدأً راسخاً في السياسة الإماراتية، ففي الوقت الذي ما زال العالم يتحدث عن آليات التعامل مع انتشار المرض، وكيفية السيطرة عليه، بدأت الإمارات بأخذ زمام المبادرة للتفكير بالمستقبل وعدم انتظار انتهاء الوباء، حيث جاءت دعوة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، إلى سلسلة من الاجتماعات الحكومية التي تنعقد هذه الأيام لبدء صياغة استراتيجية دولة الإمارات لما بعد جائحة فيروس (كوفيد-19) لتكون دولة الإمارات بذلك الأولى على مستوى العالم في إطلاق جهدٍ حكوميٍ منهجي ومنظم يضع أسساً علمية وموضوعية لمرحلة ما بعد كورونا.

الدرس الذي تعلمناه اليوم من هذه المرحلة هو أن العالم يتغير، وأنه بعد كورونا سيكون هناك تطورات في نماذج الاقتصاد وفي أنماط العيش والإنتاج والاستهلاك، ومن المهم جداً متابعة واستكشاف هذه الأنماط المستقبلية، بما في ذلك القطاعات التي ستشهد نمواً بعد اجتياز الأزمة، فالدول تنمو وتزدهر بتخطيطها وجاهزيتها واستعدادها للمستقبل.

وتدل المؤشرات إلى أن تحفيز الاقتصاد العالمي بعد كورونا يتطلب من الحكومات إطلاق مشاريع عملاقة للبنية التحتية لرفع مستويات التوظيف وتنشيط دوران عجلة الاقتصاد. وإلى جانب هذه المشاريع،سيكون هناك اتجاهات عامة وقطاعات واعدة ينبغي استكشافها والتي تشمل التكنولوجيا المبتكرة التي تسهم في تعزيز الكفاءة مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وزيادة التحول الرقمي، والتجارة عبر الإنترنت، والإعلام الإلكتروني. يضاف إلى ذلك تقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية عن بعد، وتغير أنماط تخطيط المدن في ظل التوجه نحو «التباعد المكاني». وستقوم الدول في مختلف أنحاء العالم بزيادة استثماراتها الوطنية لضمان الأمن الغذائي وتوفير السلع الاستهلاكية وتطوير وتعزيز سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.وستزداد الاستثمارات في مجال الصناعات الدوائية ومختبرات ومعاهد الأبحاث والتطوير ذات الصلة. وفي ضوء الاعتماد الكبير على تدفق البيانات عبر الإنترنت، سيزداد الطلب أيضاً على خدمات حماية أمن المعلومات للشركات وكذلك البيانات الشخصية للأفراد.

ومن المهم دراسة الاستثمار في الشركات الناشئة في هذه المجالات وإمكانية تحقيق ذلك من خلال الشراكات بين القطاعين الخاص والحكومي، وتعزيز التعاون العلمي بين الدول لمواجهة التحديات، واستشراف للمستقبل والاستثمار في التكنولوجيا والاستمرار في التطوير والتحديث، واغتنام اللحظة والاستفادة منها.
ومن الطبيعي أن تستمر دولة الإمارات في خططها المستقبلية بالتركيز على الأولويات الاستراتيجية التي تساهم في ضمان الأمن الوطني، وتدعم جهود تنويع الاقتصاد واستدامته، وتسهم في توفير وظائف وفرص عمل جديدة للمواطنين، وتعزز جاذبية الدولة في استقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية. يضاف إلى ذلك الاستفادة من المزايا التنافسية والفريدة التي توفرها الدولة مع التركيز على المجالات التي ستشهد نمواً في الطلب المستقبلي.

وفيما يركز العالم في هذه المرحلة على إجراءات التأقلم والتكيف مع فيروس كورونا لحين اكتشاف علاج ناجح ولقاح واق، سيكون هناك الكثير من المتغيرات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي ستؤثر على أنماط الحياة، وكلنا ثقة بأن دولة الإمارات، وفي ظل الرؤية الحكيمة لقيادتنا الرشيدة، ستكون قادرة على ترسيخ مكانتها الرائدة عضواً إيجابياً فعالاً في المجتمع الدولي، وفي إرساء أسس دبلوماسية المستقبل من خلال ترسيخ دورها شريكاً مثالياً في إيجاد حلول للتحديات بحيث لا تقتصر مساهماتها على المساعدات الإنسانية، بل تشمل أيضاً عنصراً أساسياً يعد العالم بأمس الحاجة إليه، ألا وهو النهج الصحيح الذي يشكل القدوة والنموذج.